Sherif Mohamed Hassaan

كتابات ساخرة لأحمد رجب

اذهب الى الأسفل

كتابات ساخرة لأحمد رجب

مُساهمة  Admin في الجمعة فبراير 10, 2012 9:16 pm

كتابات ساخرة لأحمد رجب

أهلا يا حب



من المعالم المميزة لحلول الربيع فى العالم كله : تفتح الزهر , و اخضرار الشجر , و الاحساس ببهجة الدنيا , و استعداد القلب لآهات الهوى , و استعداد وزراء التخطيط لزيادة جديدة فى النسل .

غير أن المعالم المميزة للربيع عندنا بالذات تختلف نوعا , إذ تكتسى الدنيا بلون ذهبى شاعرى هو صفرة الخماسين , و ينفض الطير عنه خمول البيات الشتوى , فتطير أسراب الهاموش فى كل اتجاه لتعلن مولد فصل الربيع المبارك , فما أن تحيط أسرابه بالإنسان ساعة العصارى عائدة بعد الشتاء , حتى يشعر بدغدغة فى مشاعره , و يخفق منه القلب , و يستغرق فى أحلام الحب و تنهيدات المساء !


و لعل ما يؤكد أن أغانينا غير واقعية , هو خلوها تماما من الاشارة إلى الهاموش , فهى تكتفى بأن تشير إلى تفتح الزهر و تورق الغصن و لا تشير إلى إقبال الهاموش , كما ندهش حقا لأغنية تقول آدى الربيع عاد من تانى و لا تقول آدى الهاموش عاد من تانى , كذلك لم نسمع على لسان عاشق موالا يعبر فيه عن مشاعره التى اتقدت مع مقدم الربيع بقوله : ابكى يا عين ع اللى فاتوه احبابه .. فاتوه وحيد ماحد يطرق بابه .. و عاد حنينه و أنينه و قادت الاشواق .. لما عاد الهاموش تانى بأسرابه .

صديق العاشق !

بل إن دور الهاموش لا يقتصر على شعللة العواطف فى قلوب المحبين عند مقدمه بعد البيات الشتوى , فإن هذا الكائن الربيعى الرقيق الجميل - الهاموش - يعتبر صديقا للعشاق , فربما لم يتح لك ارتياد حديقة عامة هادئة ساعة العصارى , إذ ستلمح أكواما عالية أشبه بأكوام الردة هنا و هناك , و لو أنك مددت يدك إلى أحد هذه الأكوام و أزلت جانبا من الردة لوجدتها هاموشا كثيفا يخفى تحته عاشقين غارقين فى القبلات , و كم هو لطيف من الهاموش أن يتراكم فوق العشاق فى حديقة عامة ستر و غطا ليخفيهم عن فضول العيون و العوازل و رقابة المصنفات الفنية .

... و دور الشرير ؟؟

غير أن هذا الكائن الربيعى الرقيق الجميل - الهاموش - لم يسلم من الهجوم القاسى كحظ كل شئ جميل فى بلادنا , إذ شنت الصحف - منذ سنوات - حملة على محافظة القاهرة الكبرة تطالب فيها أجهزة النظافة بإزالة هذا البلاء الكثيف من جو القاهرة و الجيزة , ثم اشتدت الحملة عندما فوجئ الناس ذات يوم بأن درجة الرؤية فى ميدان التحرير أصبحت صفرا بسبب كثافة الهاموش , و ظهرت أجسام الناس أشبه بالسمك المشوى بالردة قبل دخوله النار .

و استغل أحد المخرجين الأذكياء تلك الضجة الكبرى , فجاء يطلب منى أن أكتب قصة سينمائية اسمها ( الهاموش ) , ليخرجها على غرار فيلم الطيور لهتشكوك , فكما هاجمت الطيور قرية فى الفيلم الهتشكوكى , يهاجم الهاموش سكان القاهرة , و مع أن الحدوتة فى دماغه جاهزة - قال المخرج - إلا أنها ينقصها " الفيلين " أو شرير الفيلم , ذلك أن الفيلم العربى عادة كحدوتة ستى تماما يقوم على ثلاثة أركان : الشاطر حسن البطل , و ست الحسن البطلة , أما الشرير فهو أمنا الغولة . و لا بد من دور لأمنا الغولة .. و اقترحت على المخرج أن يكون الشرير هو صاحب فكرة إطلاق الهاموش على القاهرة , فهو مجرم خطير هارب من العدالة و الشرطة تتعقبه , لكنه فى ظل الهاموش يمشى آمنا فى الشوارع مادام الهاموش يغطيه كله طوال سيره ثم يتبين فى نهاية الفيلم أنه يربى الهاموش خصيصا لهذا الغرض , و أن عنده ( غية ) هاموش فى مغاراته بالجبل , و أنه يعتز بهاموشتين اعتزازا خاصا هاموشة اسمها ( بوسى ) حاطط لها فيونكة حمرا فى رقبتها , و هاموش ذكر اسمه ( لاكى ) .

نار الشوق !

ثم جاءنى المخرج يقول أن الموزع غير راضٍ عن أن يكون اسم الفيلم ( الهاموش ) فهو اسم لا يصلح للشباك و لا بد من اسم فيه سكس , و بعد استعراض أسماء " هاموش على الجسم الوردى " و " سيقانها و الهاموش " و غيرهما , استقر الرأى على اسم " جسد و حب و دلع و هاموش " .

ثم تحولت القصة إلى قصة جديدة أخرى . فالبطل و البطلة تزوجا بعد قصة حب نارية , و ما أن يمضى شهر العسل حتى تدب بينهما الخلافات بسبب الملل . و فى كل خناقة تغضب البطلة و تلم هدومها و تروح على بيت أمها , و فى آخر مرة , بعد أن ظلت فى بيت أمها أسبوعين , يشعر نحوها البطل بالشوق , لكنه يفاجأ و هو فى طريقه إلى بيت أمها بأسراب الهاموش تحيل الدنيا إلى ضباب هاموشى تتعذر معه الرؤية , و يعود البطل مع البطلة إلى بيتهما بصعوبة , و لكنه لا يستطيع بعد ذلك أن يرى وجهها بسبب الهاموش الكثيف و كذلك هى , و مع الأيام يكاد يجن شوقا إلى رؤياها بينما هى يمزقها حنين جارف إلى رؤياه . و يظلان على هذه الحال شهورا طويلة تمتنع خلالها الخلافات بينهما تماما , و هنا ندرك المغزى العظيم و هو أن الزواج لا تفسده إلا الرؤية اليومية لبعضهما البعض , فهى لا تتيح فرصة للشوق و الحنين . و ينهار البطل من لهفته و اشتياقه إلى رؤيتها و هما فى بيت واحد , و تنتاب البطلة حالات هستيرية من شدة شوقها إلى رؤياه . و يضرب رأسه فى الحائط باكيا : عايز أشوفك عايز أشوفك . و تغنى له هى أغنية دامعة ماليش أمل فى الدنيا دى غير إنى أشوفك بعنيه , كما حدد المخرج موقفا آخر تغنى له فيه : فرق مابينا ليه الهاموش .

و ينتهى الفيلم نهاية سعيدة إذ يقرر البطل و البطلة السفر إلى أثينا لرؤية بعضهما البعض, و لا شك أن التصوير فى أثينا - قال المخرج - يعطى الفيلم صفة العالمية .

من أنا ؟

و لم نتفق بعد ذلك على تفاصيل هذه القصة العالمية المؤثرة , إذ حدث - أمام الحملة الصحفية على المحافظة - أن أدلى مسئول بالمحافظة - و والله هذا حصل فعلا - ببيان قال فيه أن مقاومة الهاموش ليس من اختصاص المحافظة و لكنها من اختصاص وزارة الزراعة لأن الهاموش من الحشرات الزراعية التى تتجه إلى المزروعات لا إلى بنى آدم !

يومها جاءنى المخرج يسألنى - بناء على هذا البيان - أى أنواع المزروعات بالضبط ينتمى الإنسان القاهرى ؟ هل أصله بدنجانة ؟ هل أصله ملوخية ؟
و نصحته أن يتصل بمسئول المحافظة الذى قال هذا الكلام فأدار قرص التليفون و راح يسأله :

- بمناسبة بيانكم عن الهاموش .. هل يمكن الاستفسار عن بعض النقاط الغامضة ؟
- مثل ؟
- هل الإنسان القاهرى أصله كوسة ؟
- كل شئ جايز .. اسأل وزارة الزراعة .
- ممكن يكون أصله قطن ؟
- كل شئ جايز .
- إذا كان أصلنا قطن . هل تقترح أن نطالب وزارة الزراعة برشنا بالتوكسافين ؟
- كل شئ جايز.
- هل يفهم من بينكم أن الهاموش يفقس و يتوالد على لحم البنى آدم القاهرى دون أن يشعر أن ملايين الهاموش قد فقس فوق جلده ؟
- كل شئ جايز .
- هل تقترح سيادتك فى هذه الحالة أن يجمع كل إنسان قاهرى عددا من الأنفار علشان ينقوا لطع الهاموش من على جلده ؟
- كل شئ جايز .

و اختمرت القصة فى ذهن المخرج قصة رائعة حقا بعد هذا الحوار .
قصة شاب يعيش سعيدا بين أسرته و يتأهب للزواج من البطلة الجميلة . و ذات يوم يسمع بيان المحافظة بأن الهاموش من الحشرات الزراعية التى تتجه إلى المزروعات لا الانسان , فيدرك من تراكم الهاموش عليه أنه قطعا من المزروعات . هنا يواجه والده و يقول له فى موقف مأساوى قائلا : أنا مش ابنك . أنا عرفت كل حاجة أنا عرفت كل حاجة . أنا أبويا زرعاية و أمى زرعاية ثم يرتمى فى أحضان أمه مودعا .. شاكرا لها تربيتها له و يخرج من البيت هائما على وجهه يبحث عن أسرته الحقيقية , متسائلا إن كان أصله فول حراتى أم عدس أسود أم ارنبيط , و تحرص البطلة على الوقوف إلى جانبه فى محنة البحث عن أصله و فصله .
و ذات ليلة يفر البطل من جانبها وسط الحقول و يشعر أن قدميه تجتذبانه رغما عنه إلى غيط الخرشوف . لا بد أن أصله خرشوفة . و يقترب من أكبر خرشوفة يسألها :
- ماما ؟؟
لكن البطلة تلحق به و تجتذبه برفق , و تجلس معه على شاطئ الترعة , ثم تغيب معه فى قبلة طويلة , ثم بعد القبلة تحرك شفتيها و كأنها ( تستطعم ) شيئا , ثم تنفرج أساريرها لتعلن أنها قد عرفت أصله و فصله بعد هذه القبلة , و يسألها فى لهفة : لقيتى طعمى إيه ؟ بامية ؟ قلقاس ؟ فترد لتزف إليه البشرى : لا .. بصل .
هنا ينتهى الفيلم و البطل يحضن بصلة فى سعادة ناطقا بالعبارة الأخيرة فى معظم الأفلام : أمى حبيبتى .. أمى حبيبتى .

و لم يظهر الفيلم , و بقى الهاموش عاما بعد عام , يخرج له كل يوم موكب عظيم فخم من رجال المحافظة , يتجهون إلى سرادق مقام بأعلى المقطم , يعلنون فيه - مع رؤية أول هاموشة فى الأفق - ثبوت رؤية الربيع !


و قال الدكتور عتريس

فى الساعة السابعة من مساء ذلك اليوم اكتشفت أننى أكلم نفسى , و يبدو أن كلامى مع نفسى بدأ بصوت هامس ثم أخذ يتدرج فى الارتفاع حتى تنبهت إلى ذلك .

إن كثيرا من الناس يكلمون أنفسهم , و لا يعرف الواحد منهم إن كانت هذه الحالة قد جاءته فجأة أم هى نتيجة طبيعية للزواج و مسئولياته , لكننى أعرف جيدا لماذا أكلم نفسى , فالفضل فى ذلك للبرنامج التليفزيونى " الوقاية خير من العلاج " . إن هذا البرنامج - الذى اكتشفته زوجتى - شجعنى لكى أكلم نفسى , و استضاف طبيبا قال : إن من الطبيعى أن يكلم الإنسان نفسه أثناء التفكير , فما التفكير إلا حوار بين الإنسان و ذاته , و لا مانع من أن يفكر الإنسان أحيانا بصوت مرتفع .

لقد اكتشفت أن الحوار بصوت مرتفع بينى و بين نفسى يعطى للألفاظ وضوحا أكثر للمعنى و قوة أكبر فى الإقناع , لقد أتاح لى خلو المنزل من زوجتى فرصة المناقشة الذاتية فى حرية تامة , و لم يقطع مسار هذا الحوار المثمر إلا جرس الباب . ظننت أن زوجتى عادت من عند الطبيب , و لكن الطارق كان جارى فؤاد .. و قد بدا عليه انزعاج واضح و هو يسألنى : من الذى تشتبك معه فى هذا الحوار الصاخب ؟.. فلما عرف أننى وحدى عاد يستفسر فى دهشة : إذن من الذى كنت تقول له مرارا : أنت حمار ؟

و إذا كنت يومها قد أخفيت عن جارى فؤاد أننى أتكلم مع نفسى , إلا أننى أصبحت أفعل ذلك فيما بعد بدون خجل , فبفضل زوجتى أصبح جيراننا جميعا - و معهم فؤاد و زوجته - من أشد المقتنعين بهذا البرنامج النافع العظيم " الوقاية خير من العلاج " . كلنا ننتظر مواعده , و نستمع إلى نصائحه , و نستمد منه الوعى الصحى , فنحن جميعا قد تجاوزنا منتصف العمر و أصبحت مشكلتنا الصحية هى مشكلة صيانة , خاصة أن الدكتور عتريس - أحد نجوم البرنامج - ينبهنا دائما بعبارته المأثورة إن كل الأمراض تكمن داخل جسمك و كل مرض منها ينتظر أول فرصة له عند ضعف المقاومة أو المناعة أمامه .

لهذا أصبحنا نزور الأطباء كثيرا , و فى أقل من شهر مثلا ذهبت زوجتى إلى أخصائى جهاز هضمى , و طبيب عيون , و أخصائى غدة , ثم أخصائى أنف و أذن وحنجرة , صحيح أن نتائج الفحص و الآشعة و التحاليل أثبتت أنه ليس هناك أى أثر لأى مرض , و صحيح أننى بعت نصيبى من قطعة الأرض , و لكن هذا كله لا يهم , فالحيطة واجبة .

و لعل أكثر ما شغل زوجتى بعد ذلك هو تلك البقعة الحمراء فى ظهر يدها التى نبه لها طبيب الأمراض الجلدية فى البرنامج قائلا : عند ظهور هذه البقعة فعليك أن تقاوم الرغبة بحكها بأظافرك , و سوف ترتفع درجة حرارتك , فاعرض نفسك على طبيب .

عقب انتهاء البرنامج , لاحظت زوجتى وجود هذه البقعة الحمراء فى يدها , و بدأت تقاوم بصعوبة الرغبة فى حكها بأظافرها , و باتت الليل تعانى و الترمومتر فى فمها يسجل ارتفاع نصف درجة .

و فى اليوم التالى فشلت زوجتى فى الحصول على موعد قبل شهر عند طبيب الأمراض الجلدية الكبير . و توسلنا ببعض الأقارب من أصدقاء الطبيب الكبير , فرضى أن نحجز موعدا مستعجلا بمائة جنيه بعد أربعة أيام , و فى خلال تلك الأيام الأربعة لزمت المسكينة الفراش تتألم , و كلما توافد على غرفتها بالبيت وفد من الأهل و الأصدقاء أرتهم البقعة الحمراء فى ظهر يدها و انخرطت فى البكاء .

و كثر كلامى مع نفسى فهو يكثر فى حالات الأم و حالات السرور . ثم زاد كلامى مع نفسى عن الحد المعقول عندما تأكد لى أن الطبيب استحق المائة جنيه عن جدارة , فقد اكتشف أن النقطة الحمراء على ظهر يد زوجتى هى نقطة من مطهر الميكروكروم , سقطت على يدها أثناء استعمال الزجاجة , و عندما عرفت زوجتى أنه ميكروكروم زال عنها الألم تماما و تم الشفاء و الحمد لله .

******

على الشاشة الصغيرة , ظهر الدكتور عتريس يردد كلمته المأثورة : إن كل الأمراض تكمن داخل جسمك , و كل مرض منها ينتظر أول فرصة له عند ضعف المقاومة أو المناعة أمامه , ثم انبرى بعد ذلك أخصائى يقول : من المعدة تبدأ كل الأمراض , لكنك تستطيع أن تتقى شرها جميعا باللبن و الزبادى , الزبادى صديق المعدة , الزبادى يطيل العمر , فلتكن وجبتك زبادى , و بين الوجبة و الوجبة زبادى .

و كان ولاؤنا للزبادى عظيما , و لم يعد لنا من طعام سواه , و عندما حدثت أزمة زبادى فى المدينة أدركنا أن جارنا فؤاد هو السبب , فقد كان حريصا على أن يطيل عمره , كان يتناول بين وجبة الزبادى و وجبة الزبادى وجبة ثالثة من الزبادى , و بلغت دقته فى تنفيذ تعليمات طبيب البرنامج درجة عظيمة , حتى أنهم نقلوه إلى المستشفى و أجروا له غسيل معدة , و جاءت سيارات المطافئ لشفط كميات الزبادى من الشوارع المحيطة بالمستشفى .

*****

و لقد كان برنامجا حافلا ذلك الذى قدمه ذات ليلة الدكتور عتريس .. سرد أنواع السموم التى يمكن أن يصاب بها الإنسان خطأ , و قدم معها الترياق المضاد لكل سم . و سجلت زوجتى هذه المعلومات النافعة على شريط فيديو , و اتخذت من هذا الشريط مرجعا تستذكر منه الأعراض المختلفة التى تظهر على الانسان عند تناوله كل سم , ثم طريقة العلاج , حتى أنها أصبحت عليمة بكيفية علاج حالات التسمم بأملاح النحاس و الصودا و البوتاسا الكاوية و الليزول و الاتروبين و الكحول و اليود و المخدرات و غيرها و غيرها .

و لقد انتهت مذاكرتها لهذا الشريط التليفزيونى بنظرة متأملة إلى كلبها الصغير ( تانجو ) ثم ما لبثت نظرتها إليه أن تحولت إلى فزع يكسو ملامح وجهها و هى تنادى الكلب القابع أمامها : تانجو .. تانجو .

سألتها و قد رأيت الكلب لا يستجيب للنداء :
ماذا به ؟
قالت : يا مصيبتى ! واضح إن عنده أعراض تسمم بالكوكايين .
- كوكايين ؟
- لا شك .. أنه كوكايين .
- من أين جاء بالكوكايين . هل تعتقدين أنه يشم الكوكايين من خلف ظهرنا ؟
- انظر .. هذه هى أعراض التسمم بالكوكايين .. اتساع حدقة العين .. الشحوب .. بطء التنفس .. سرعة النبض .. العرق البارد .
- و لكن الكلاب لا تعرق يا حبيبتى لأنه ليس لها غدد عرقية .. إنها تلهث بدلا من ...
قاطعتنى :
- هذا العرق بسبب الكوكايين .

تجمع الجيران فى شقتنا يواسون زوجتى الباكية , و زادت حالتها النفسية سوءا لأن تانجو قاوم كل محاولات الاسعافات الأولية التى حاولت زوجتى أن تجريها له , فرفض شرب فنجان شاى أسود قوى , و لم يستجب و هى تحاول أن تساعده على التنفس الصناعى !

و أسرعت زوجتى بالكلب إلى الطبيب , و بقيت فى الشقة مع الجيران , و ما لبث أن قال أحدهم :
- كان يجب أن تكون حريصا فلا تترك الكوكايين فى متناول الكلب .
- و لكنى لا أتعاطى الكوكايين .
فعلق آخر : يا رجل لا داعى للانكار .
و قال ثالث ساخرا : لا بد أن تانجو نزل إلى السوق و اشترى لنفسه الكوكايين .
و قال الرابع : تصور أننى لم أشاهد الكوكايين .. أرنى ما شكله و لونه ؟ .. أريد ..

و لم يكمل الرجل عبارته , فقد نهرته زوجته قائلة : هل وصل بك الحال إلى أنك تريد تعاطى الكوكايين مثل هذا الشمام ؟

كان حضور منى - زوجة فؤاد - إلى الشقة فجأة بمثابة إنقاذ لى من ذلك الحرج القاتل و الجيران يرمقوننى بنظرات رخيصة كشمام كوكايين . لقد جاءت منى تولول قائلة إن زوجها يدور فى الغرفة بخطوات متثاقلة كفرانكشتاين , و يتهته بكلمات غير مفهومة .

صاح جار يسألها : هل فمه يلعب ؟
قالت منى : إنه لا يكف عن تلعيب فمه .. كيف عرفت ؟
قال الجار : هذا ما كان يتحدث عنه برنامج " الوقاية خير من العلاج " قال : إن هذه أعراض تيبس العضلات .

لم أعرف ما الذى جرى لفؤاد فى تلك الليلة , فقد انفضوا جميعا من حولى و اتجهوا إلى شقة فؤاد , و من نافذة المنور جاءت أصوات بعض الجيران الذين لا أعرفهم تتحدث عنى ..!! " كنا نظن إنه مجنون و هو يكلم نفسه . لم نعرف أنه يتعاطى الكوكايين " " طبعا هللوسة كوكايين " .
" فعلا قابلته فى الأسانسير مرة و كان فى حالة هذيان يحدث نفسه و يشير بيديه فى الهواء .. لعنة الله على المخدرات " .

عادت زوجتى و كانت سعيدة , فقد فحص الطبيب تانجو و أكد لها أن الكلب ليس مصابا بأى تسمم و لكنه يعانى بعض الاكتئاب , و لا بد له من نزهة يومية .

اضطررت أن أقوم بهذه المهمة مع الكلب بعد أن لزمت زوجتى الفراش . فلقد فتحت زوجتى التليفزيون فوجدت رجلا اسمه الدكتور راتب يصف هذه الأعراض : الرغبة فى العزلة , و الضعف العام , و افرازات من الأنف و الفم .

و لزمت زوجتى الفراش و قد انتابتها هذه الأعراض , لكنها لا تعرف اسم المرض لأنها لم تشاهد البرنامج من بدايته .
بناء على رغبة زوجتى , اتصلت بالتليفزيون لأعرف عنوان الدكتور راتب الذى تبين أنه ظهر فى برنامج آخر غير برنامج الدكتور عتريس .

كان الدكتور راتب كريما مهذبا .
- سألنى : متى ظهرت عليها أعراض المرض ؟
- منذ يومين .
- هل تراها ميالة إلى العزلة ؟
- جدا .
- و تعانى ضعفا عاما ؟
- أجل يا سيدى .
- و ريشها ؟ هل هى منفوشة الريش ؟
- و لكن زوجتى ليس لها ريش يا سيدى .
- فهمت ..! يا سيدى أنا كنت أتحدث فى التليفزيون عن مرض النيوكاسل الذى يصيب الدجاج , فأنا طبيب بيطرى .






و كله بالأصول



كان الأستاذ أيوب أسعد خلق الله بالقرار الوزارى رقم 16398 المعدل لقرار الوزارى رقم 16397 , أخيرا سوف يتسلم سيارته التى يسمح القرار الأخير بالإفراج عنها فى الجمرك !

لقد وصلت السيارة إلى الميناء عندما استوردها طبقا للقرار رقم 16396 , يومها أسرع الأستاذ أيوب إلى مكتب مطاوع أفندى – موظف الجمرك المختص – الذى مالبث أن قابله بالود و الترحاب بعد دفع رسم الود و الترحاب .

و بينما كان مطاوع أفندى يتخذ إجراءاته للإفراج عن السيارة , استأذنه الأستاذ أيوب فى الذهاب إلى دورة المياه , و عندما عاد بعد دقائق , أخبره مطاوع أفندى أن قرارا وزاريا جديدا قد صدر و أبلغوه به , و هو القرار رقم 16397 بمنع استيراد السيارات التى تسير بالبنزين أو بالسولار .

و فى محاولة مخلصة لمواساة الأستاذ أيوب , دعاه مطاوع أفندى إلى شرب فنجان قهوة , فلعله لن ينتهى من شرب قهوته إلا و يكون قد صدر قرار وزارى جديد يتيح له الإفراج عن سيارته .
- اتكل على الله و قول يارب ..
و لم يكد مطاوع أفندى ينتهى من عبارته هذه حتى دق جرس التليفون على مكتبه , و كان على الطرف الآخر سكرتير الهماميلى بيه – مدير جمرك السيارات – يطلب مطاوع أفندى على وجه السرعة .

أصول الأصول

أشار الهماميلى بيه إلى شاب تجاوز العشرين بقليل قائلا لمطاوع أفندى :
- ممدوح بيه .. له عربية عندنا ..

و انحنى مطاوع أفندى لممدوح بيه :
- أهلا يافندم .. طبعا عربية ممدوح بيه لا تمشى بالبنزين و لا بالسولار ..
و رد الهماميلى بيه :
- تمام ..
- خلاص يافندم .. تبقى عربية ممدوح بيه غير خاضعة للقرار الوزارى الجديد ..
- أيوه .. بس انت عارف انى دايما التزم بالقواعد و الأصول فى شغلى ..
- دى حاجة معروفة عن سعادتك يافندم ..
- علشان كده عايزك تعمل له شهادة إدارية بإمضاء اتنين موظفين و ختم النسر بأن عربيته لا بتمشى بالبنزين و لا بالسولار .
- كده سليم يافندم .. نكتب إنها بتمشى بالبوتاجاز يافندم ؟
- لا ..
- بالسبرتو يافندم ؟

بعد أخذ و رد , استقر الرأى أخيرا على أن تنص الشهادة الإدارية بأن السيارة الخاصة بممدوح بيه لا تسير بالبنزين و لا بالسولار , و لكنها تسير بالوقود .

نايم و لا صاحى ؟

فى خطى نشيطة , قطع مطاوع أفندى الممر الطويل ليبلغ الأستاذ أيوب ببشرى الشهادة الإدارية التى سوف تفرج عن سيارته أسوة بالولد ممدوح بيه , و كانت فرحة الأستاذ أيوب لا تقدر , حتى أنه دفع لمطاوع أفندى الرسوم المقررة على هذه الفرحة .

و فى وقت مبكر جدا من صباح اليوم التالى , خرج الأستاذ أيوب يسعى لإحضار الشهادة التى تثبت أن سيارته لا تسير بالبنزين و لا بالسولار و إنما بالوقود , و فى هذه الأثناء اتصل الأستاذ أيوب ببيت الوزير منتحلا صفة رئيس مجلس إدارة , و رد عليه السفرجى بأن السيد الوزير نائم , فحمد الله و شكره إذ لا يمكن أن يصدر السيد الوزير قرارا جديدا و هو نائم .

بقى إمضاء الموظف الثانى , إن الوقت يمر بسرعة و لا بد من أن ينتهز فرصة نوم الوزير و ينهى هذه الشهادة و يقدمها بأسرع وقت للإفراج عن السيارة التى استنفد من أجلها أجازاته العرضية و المرضية .

و استولى عليه هاجس قوى : ممكن الوزير يصدر قرار جديد و هو نايم ؟ ممكن .. ليه لأ , و راح هذا الهاجس يتضخم فى رأسه خاصة أن البحث عن الموظف الثانى الذى سيوقع الشهادة لايزال تصادفه العقبات .

و اتجه إلى التليفون . و رد عليه عبد الدايم السفرجى .
- أيوه يافندم السيد الوزير صحا .
- يا خبر . صحا إمتى ؟
- حالا يافندم .
- ماأصدرش قرارات بعد ما صحا ؟
- ماعرفش يافندم .
- و لا و هو نايم ؟

و أقفل الأستاذ أيوب السكة و أصبح فى سباق رهيب مع الزمن .

فرجه قريب !

كان واضحا أن مطاوع أفندى عصبى نوعا و منحرف المزاج عندما اندفع الأستاذ أيوب داخل مكتبه يلهث و يتصبب عرقا و هو يقدم إليه الشهادة الإدارية .

و دفع الأستاذ أيوب الرسوم المقررة لإزالة عصبية مطاوع أفندى و انحراف مزاجه .
و تبسم مطاوع أفندى .
و ما أن بدأ يتخذ إجراءات الإفراج عن السيارة حتى استدعاه الهماميلى بيه .

و غاب مطاوع أفندى طويلا . و بدأ القلق يتملك الأستاذ أيوب , فنهض إلى التليفون و أدار القرص .
- آلو .. مكتب السيد الوزير .
- أيوم يافندم .
- قوللى من فضلك السيد الوزير ماأصدرش قرار جديد ؟
- بخصوص إيه ؟
- بخصوص استيراد السيارات .
- مين بيتكلم ؟
- أيوب عبد الصبور رئيس مجلس إدارة الشركة العامة للمشاوير الجمركية .
- أهلا يافندم . فعلا السيد الوزير أصدر القرار رقم 16400 المعدل للقرار 16399 بشأن استيراد السيارات .
- بيقول إيه القرار ؟
- غير مسموح باستيراد أى سيارة إلا إذا كانت تسير بالبنزين أو السولار .. لابد من البنزين أو السولار .
- متشكر .. ألف شكر .

و وضع الأستاذ أيوب السماعة و هو يتنفس الصعداء . انتهت المشكلة و لا لزوم لهذه الشهادة الإدارية .

يا مسهل !

و عندما دخل مطاوع أفندى مكتبه , بادره الأستاذ أيوب قائلا بوجه متهلل :
- أنا عرفت القرار الوزارى الجديد .. الحمد لله المشكلة اتحلت ..
- أى قرار ؟
- رقم 16400 .. ممنوع استيراد أى سيارة إلا إذا كانت تمشى بالبنزين أو السولار .
- أيوه دى المادة رقم واحد من القرار .
- هو فيه مادة تانية ؟
- طبعا .. اسمع يا سيدى : و يحظر استيراد السيارة ذات الأربعة أبواب .. و عربيتك بأربع أبواب .

و انهار الأستاذ أيوب فوق مقعده و قد راودته رغبة عنيفة فى البكاء و اللطم , بينما راح مطاوع أفندى يشرح له أسباب هذا القرار كما سمعها من السيد وكيل الوزارة الذى اتصل تليفونيا بالهماميلى لتنفيذ القرار فورا توفيرا للعملة الصعبة . فإن استيراد قطع غيار الأبواب يكلف الدولة سنويا ربع مليون جنيه استرلينى , فإذا اختصرنا عدد أبواب السيارة إلى بابين فقط وفرت الدولة نصف هذا المبلغ فى شراء قطع غيار أبواب السيارات .

- و العمل يا مطاوع بيه ؟

و مط مطاوع أفندى شفته السفلى معبرا عن العجز و قلة الحيلة , و أصبح واضحا أن تفكيره قد توقف أمام حجم المشكلة الجديدة .

و لكن مطاوع أفندى عاوده التفتح الذهنى بعد دفع الرسوم المقررة بتشغيل المخ , فهو يذكر واقعة خلاصتها أن أحد المواطنين استورد (هون) , و قبل وصول الهون إلى الميناء , كان قد صدر قرار وزارى بحظر استيراد إيد الهون و السماح باستراد الهون فقط , و ذلك حماية ً لصناعة أيادى الهون المحلية , فقدم المواطن التماسا بإعادة تصدير إيد الهون و الإفراج عن الهون نفسه بدون إيد , و أجيب إلى طلبه .

بناءً عليه , يستطيع الأستاذ أن يخلع البابين الخلفيين فى السيارة و يعيد تصديرهما .

و لكن الأستاذ أيوب لم يتحمس لهذا الحل الذى يشوه شكل السيارة , و آثر أن ينتظر مكتب مطاوع أفندى , فلعل قرارا وزاريا جديدا يصدر و يحل المشكلة , غير أن مطاوع أفندى , نبهه إلى أن القرار الوزارى القادم قد يأتى على غير ما يشتهى , فيشترط مثلا لاستيراد السيارة أن يكون لها خمسة أبواب , فمن أين يأتى بالباب الخامس ؟
كلام معقول ..
و لا بد من حل قبل صدور قرار وزارى جديد يحمل مفاجأة تزيد المشكلة تعقيدا .
و بعد بحث طال , تفتق ذهن مطاوع أفندى على اقتراح ثلاثة حلول لحل المشكلة :

الأول : أن يتقدم بالتماس إلى السيد المدير العام يتعهد فيه بإغلاق البابين الخلفيين عن طريق لحامهما بالأكسجين إلى الأبد ..
الثانى : أن يتقدم بالتماس إلى السيد المدير العام بوضع قفل إنجليزى كبير على كل باب خلفى من الداخل و أن تحتفظ الجمارك بالمفتاحين ضمانا لعدم فتح القفلين إلى الأبد .
الثالث : أن يقدم التماسا إلى السيد المدير العام بأن تتولى لجنة من الجمارك إغلاق البابين بالشمع الأحمر و ختم الشمع بخاتم الجمرك و بذلك يستحيل فك الشمع و إلا تعرض الأستاذ أيوب للعقوبات المنصوص عليها فى القانون .

و قدم الأستاذ أيوب الالتماسات الثلاثة واحدا وراء الآخر , و كان الرد على كل التماس تأشيرة تقول :"يعاد تصدير السيارة و على الطالب استيراد سيارة ببابين طبقا للقرار الوزارى رقم 16400".

و طال عمره !

مضى يوم , و اثنان و ثلاثة و القرار الوزارى رقم 16400 لم يتغير بقرار جديد , و فى تلك الأثناء اتصل الأستاذ أيوب بمكتب و منزل الوزير مرارا تلهفا على قرار جديد , حتى نشأت بينه و بين عبد الدايم – السفرجى فى بيت الوزير – شبه ألفة , خاصة اتصالاته لمعرفة ما إن كان الوزير قد عاد أو لا يزال على سفره .

و عاد الوزير , و لكن القرار لم يتغير , لقد ضرب القرار رقم 16400 الرقم القياسى فى طول العمر , و بعد اثنين و عشرين يوما – و القرار مازال يسرى – لم يجد الأستاذ أيوب بدا من إعادة تصدير السيارة , مبرقا إلى أخيه فى أوروبا أن يرسل إليه سيارة فولكس فاجن ببابين ..

ثم حدث ما كدر الأستاذ أيوب و أسلمه إلى قلق مستمر , إذ سرت إشاعة قوية بأن قرارا وزاريا جديدا سوف يصدر و يقصر الاستيراد على السيارة ذات الباب الواحد , كما سرت إشاعة أخرى بأن القرار الذى سيصدر سيقصر الاستيراد على السيارة التى ليس لها أى باب .

و انتهت هذه الإشاعات جميعا بنوبة ضحك شديدة غرق فيها الأستاذ أيوب . فقد ظل يضحك و يضحك عندما صدر القرار الوزارى الجديد رقم 16401 حظر استيراد السيارة ذات البابين و إباحة استيراد السيارة ذات الأربع أبواب .

عالم الأشباح !

و تم نقل الأستاذ أيوب إلى المستشفى لعلاجه من الصدمة العصبية التى أسلمته إلى حالة ضحك هستيرى مستمر , أعقبتها حالة فزع ظل بعدها يجرى و هو يستغيث بالناس من قرار وزارى يجرى وراه , و عندما أمسك أهله به و أعادوه إلى البيت , قفز مختبئا فى الدولاب و أغلقه عليه , و راح يستحث أسرته فى صياح شديد أن يتصلوا بشرطة النجدة لحمايته من القرار الوزارى الذى ينتظره على باب الدولاب .

و عندما بدأ الأستاذ أيوب يتماثل لشفاء , كانت أوامر أطبائه صارمة إلى أفراد الأسرة و المعارف بعدم إبلاغه بأى قرارات وزارية خاصة باستيراد السيارة , فقد ظل يردد خلال غيبوبته استغاثات الفزع من القرار الوزارى الذى يجرى خلفه .

و بسبب أوامر الأطباء , لم يعلم الأستاذ أيوب – خلال مدة مرضه – بصدور القرار الوزارى بحظر استيراد السيارة ذات الموتور ثم القرار الذى جاء بعده بحظر استيراد السيارة الملاكى نصف جنزير , ثم القرار التالى له و الذى يشترط لاستيراد السيارة أن يكون لها 65 فردة كاوتش استبن , ثم القرار الذى أعقبه و يشترط دفع 100 جنيه مصرى بالعملة الصعبة إذا كانت عصا فيتيس السيارة فى الأرضية , ثم القرار الذى تلاه و يشترط لاستيراد السيارة إحضار شهادة من القنصلية المصرية فى المدينة المصدرة – مقابل 200 جنيه بالعملات الحرة – بأن القنصلية تشهد بأن هذه سيارة و ليست ترماى , إذ لجأ بعض ذوى النفوس الضعيفة – تهربا من قرارات استيراد السيارات – إلى استيراد ترميات ملاكى متنكرة فى شكل سيارات , كما تم ضبط ديزل مجرى مكتوب عليه ملاكى جيزة .

و لم يدر الأستاذ أيوب أيضا أنه خلال فترة مرضه أصدرت دائرة المعارف البريطانية عشرة أجزاء ضخمة من مجلداتها لتعين الباحثين فيها فى كيفية استيراد سيارة فى مصر , كما ظهرت عشرات الكتب المؤلفة فى القاهرة عن استيراد السيارات و الطريق إلى استيراد سيارة , كذلك ظهرت كتب طبية نفسية بعنوان "واجه القرار الوزارى بروح طيبة" و "ابتسم .. غدا يصدر قرار وزارى جديد" و "لا تستورد سيارة و عش سعيدا" فقد تضاعف عدد المصابين بالانهيار العصبى . حتى أن بعض أطباء الأعصاب قرروا فتح مستشفى جديد يتخصص فى هذه الحالات اسمه "أوتوكلينيك" !

ربك يعدلها !

عندما توجه الأستاذ أيوب إلى الجمرك , كان يعرف أن آخر قرار وزارى قد صدر بشأن استيراد السيارات يحظر استيراد السيارات بكافة أنواعها ماعدا الأوتوبيسات ..

لكنه كان هادئ الأعصاب تماما , فقد ابتلع قرصا مهدئا للأعصاب من أقراص (أنتى – قارار) التى وصفها له الطبيب لتعينه على مواجهة أى قرار وزارى بهدوء , ثم أنه أدرك – بالتجربة – أن أى قرار وزارى يتغير كل يوم , و لا بد أن يصدر ذات ساعة القرار الوزارى الذى يحل مشكلته .

لذلك جلس هادئا فى مكتب مطاوع أفندى , حتى لقد بلغت به قلة المبالاة أنه لم يدفع رسوم الترحيب لمطاوع أفندى . الأمر الذى حدا بمطاوع أفندى إلى أن يقول فى شماتة :
- مفيش فايدة .. المرة دى مافيهاش تصريف ..
فرد الأستاذ أيوب ببرود شديد :
- ربك يعدلها ..

و بينما كان مطاوع أفندى يرد فى نبرة شبه متهكمة : لعل و عسى , رفع الأستاذ أيوب سماعة التليفون و هم بإدارة القرص , لكنه تذكر أن الوزير ليس بمكتبه فى الوزارة , لقد قرأ اليوم أن الوزير معتكف فى البيت لإصابته بالانفلونزا , لكن الانفلونزا لا تمنع أن يمارس الوزير نشاطه القراراتى , هل يكون قد أصدر قرارا فيه الفرج ؟

و تردد الأستاذ أيوب فى إدارة القرص .. و فى اللحظة التى هم فيها أن يضع السماعة , كان مطاوع أفندى قد سأله :
- عايز تكلم مين ؟ ريح نفسك يا أستاذ أيوب .. المرة دى مافيهاش تصريف ..
قال الأستاذ أيوب بشكل تلقائى :
- أبدا .. أنا كنت ح اتصل بالوزير فى البيت ..
- مين ياخويا ؟
قالها مطاوع أفندى فى تهكم مرير , فرد الأستاذ أيوب فى لامبالاة:
- يووه .. ياما اتصلت بالوزير فى المكتب و البيت .
قال مطاوع أفندى فى تحد واضح :
- طب ورينى كده ..
- آدى نمرة البيت .. خد اطلبها بنفسك .. دى فرصة إن الواحد يسأل عن صحته .

آلو .. سيادة الوزير ؟

أدار مطاوع أفندى الرقم و هو غير مصدق , يضحك بشدة من ذلك الرجل المعتوه الذى يدعى معرفة السيد الوزير .
و كانت الضحكة لا تزال تملأ وجه مطاوع أفندى و هو يمسك بالسماعة قائلا :
- ده منزل السيد الوزير فلان الفلانى .. ؟
عندما جاء الرد (أيوه يافندم) , اختفت الضحكة من وجه مطاوع أفندى و أصابه ارتباك عظيم , دفع معه السماعة إلى يد الأستاذ أيوب و كأنه يريد الخلاص من مسئولية خطيرة ستؤدى به إلى مصائب مجهولة ..

و أمسك الأستاذ أيوب بالسماعة قائلا فى ثبات :
- آلو .. مين ؟ عبد الدايم ؟ أهلا يا محروس .. أنا أيوب .. الله يسلمك طمنى .. إزاى السيد الوزير النهاردة ؟ كده .. لا ألف سلامة عليه .. بلغه تحياتى و تمنياتى بالشفا إن شاء الله .

عند هذا الحد من الحديث كان مطاوع أفندى مبهوتا مأخوذا لا يكاد يصدق ما يرى و ما يسمع , و عندما بدأ الأستاذ أيوب يسأل الخادم عما إذا كان السيد الوزير زاول العمل فى البيت اليوم , كان مطاوع أفندى قد غادر المكتب مسرعا ..

و وضع الأستاذ أيوب السماعة و قد أيقن من حديث الخادم أن الوزير لن يعمل اليوم , إذ حتم عليه الطبيب الإخلاد إلى الراحة التامة ..
لا قرارات جديدة إذن .. و لينصرف مادام ليس فى انتظاره جدوى .
و تلفت فلم يجد مطاوع أفندى .

الأستاذ أيوب .. سابقا !

كان مطاوع أفندى فى مكتب الهماميلى بيه يشرح أمر المحادثة التليفونية التى أجراها الأستاذ أيوب مع بيت السيد الوزير , و كيف أن الأستاذ أيوب كان يتحدث و كأنه واحد من الأسرة , فاستولى الاهتمام البالغ على الهماميلى بيه , و راح يستفسر من مطاوع أفندى عن مطالب الأستاذ أيوب من الجمرك , فعلم أن له سيارة فولكس مستوردة و القرار لا يسمح إلا باستيراد الاوتوبيسات .

و انقلب الهماميلى بيه إلى وحش كاسر يكاد يفتك بمطاوع أفندى لأنه لم يحضر الأستاذ أيوب إلى مكتبه من أول دقيقة للقيام بواجبات الترحيب و التكريم نحوه .

و لم تشفع لمطاوع أفندى أيماناته المغلظة بأنه لم يكن يعرف أن أيوب بيه قريب للسيد الوزير . و زاد الطين بلة أن أيوب بيه – الأستاذ أيوب سابقا – كان قد انصرف من مكتب مطاوع أفندى , و بأمر السيد المدير , انطلقت السيارة المخصصة له تحمل مطاوع أفندى بحثا عن أيوب بيه فى الشوارع المجاورة و أخيرا تم العثور على أيوب بيه واقفا أمام غجرية (نبين زين) يوشوش الدكر لمعرفة بخته فى القرار الوزارى القادم .

مطاوع الغبى !

كان واضحا أن المسألة كلها تمثل لغزا يصعب تفسيره بالنسبة لأيوب بيه .
إنه لا يفهم شيئا مما جرى و يجرى أمامه .. الترحيب من الهماميلى بيه الذى استقبله على الباب الخارجى , أجلسه الهماميلى بيه معه فى صالون غرفة المكتب على الكنبة باعتباره من كبار الضيوف الذين لا يصح للهماميلى بيه الجلوس على كرسى مكتبه فى حضرتهم .. مخاطبته بأيوب بيه , المشروبات و المرطبات التى قدمت إليه .. الاعتذار المتكرر من جانب الهماميلى بيه بأن مطاوع أفندى غبى و متخلف عقليا لأنه لم ينه إجراءات الإفراج عن سيارة أيوب بيه..
ما الذى جرى بحق السماء ليلقى كل هذا التكريم الخرافى و المعاملة الأسطورية ؟

سؤال لم يستطع أن يرد عليه أيوب .. كل ما استطاع أن يصل إليه هو أن هذا الرجل – الهماميلى بيه – موظف كبير مثالى جدا فى معاملته لإخوانه المواطنين العاديين .. حقا راجل أمير .. إن أيوب لا يندم على شئ الآن قدر ندمه على أنه كان يتعامل مع ذلك الخنزير مطاوع أفندى الذى استنزف من جيبه الكثير دون جدوى .

فجأة دخل سكرتير الهماميلى بيه يقول :

- الاجراءات انتهت يافندم .. و بلغت أوامر سيادتك بفتح الخزانة علشان أيوب بيه يدفع الرسوم ..
و التفت أيوب يسأل الهماميلى بيه فى دهشة :
- الله ! هو صدر قرار وزارى جديد وللا إيه ؟
و رد الهماميلى باحترام بالغ :
- يافندم مفيش قرارات جديدة صدرت .
- موش فيه حظر استيراد سيارات ماعدا الاوتوبيسات ؟
- تمام يافندم .
- أمال إيه العبارة ؟
- و لا حاجة يافندم .. كل شئ سليم و احنا بنطبق القواعد و الأصول .

و كله بالأصول

عندما اصطحب الهماميلى بيه الأستاذ أيوب ليتسلم سيارته الفولكس فاجن ذات البابين , تأكد الأستاذ أيوب فعلا أن القواعد و الأصول قد طبقت بدقة , إذ جاء فى محضر معاينة السيارة تمهيدا للإفراج عنها أنها (سيارة أوتوبيس تتسع لثلاثة ركاب و واحد وقوف , و لها باب شمال لصعود الركاب و باب يمين لنزول الركاب و جلدة بجانب السقف ليمسك بها الراكب الواقف) ..!
و أشار الهماميلى بيه إلى لوحة فى مقدمة سقف السيارة قائلا :
- مفيش أى مخالفة للقرار الوزارى زى ماسيادتك شايف
و كانت اللوحة مكتوب عليها (عتبة – جيزة و بالعكس) .


صورة واحد سيرياليزمى



السبت :

فكرى مشغول جدا بلوحتى الجديدة (الحلاق و القفا) ..

فبعد تفكير سيريالى استطلاعى استضمانى استغراقى , توصلت إلى أن القفا لا يفارق عيون أى حلاق . فهو فى المحل أمامه قفا , و هو فى الشارع تنجذب عيونه إلى أى قفا يمر به , فإن كان ذلك القفا طويل الشعر , لعبت أصابعه – غصب عنه – رقصة المقص , و إن كان القفا حليقا , نظر بعين الناقد إلى فنية الشغل , و الخلاصة أن عيون الحلاق مشتبكة بكل قفا فى كل مكان و زمان , فالدنيا عنده قفا , و الحياة عنده قفا و لذلك قررت أن يكون مضمون اللوحة مضمونا قويا سرياليا .

الثلاثاء :

منهمك فى اللوحة . و لقد اعتذرت عن عدم حضور اجتماع جمعيتنا السريالية العليا التى تضم رواد مذهبنا العظيم فى كل ميدان من ميادين الفن : الرسام الكبير زكى هلاوس , الكاتب الطليعى عبده المجنون , المخرج الطليعى فهمى بارانويا , المثال العظيم أحمد عباسية , الموسيقار الكبير حنفى مورستان .

الأربعاء :

مشغول فى اللوحة .
زارنى زميلى أحمد عباسية و معه تمثال (الصبر) الذى ناقشته الجممعية فى اجتماعها أمس , بهرنى التمثال حقا لما احتواه من مضمون استنباطى ميتافيزيقى , فالتمثال عبارة عن قالب طوب أحمر مكتوب عليه (مصنع طوب أبو جبل) . تأملت التمثال لمدة ساعة محلقا بفكرى فى آفاق ما فوق الواقع و ما وراء الطبيعة . و لم أتمالك نفسى من شدة الإعجاب فقمت احتضن أحمد عباسية بشدة مهنئا على تلك التحفة الفنية الرائعة .

الاثنين :

أنا سعيد .. أنا سعيد .. فقد انتهيت اليوم من لوحتى الخالدة (الحلاق و القفا) . و عرضتها على إخوتى الثلاثة فى البيت فلم يفهمها أى واحد منهم مع أنهم من هواة ذلك المذهب العظيم و يسمون أنفسهم فرقة الأشبال السيريالية .

فقد حملق أخى الكبير فى صورة القفا الذى رسمته ثم قال:
- دى صورة زمبلك .

فعارضه أخى الأوسط بعد طول تدقيق فى اللوحة . مؤكدا أنها صورة مكرونة اسباجيتى مدللا على ذلك برمزية النقط الحمراء , فالنقط الحمراء ترمز إلى الصلصة باللحمة المفرومة لزوم الاسباجيتى , بينما أكد أخى الأصغر فى ثقة أنها صورة صفيحة زبالة ..

كنت فى قمة سعادتى و هم يتخبطون , و بحركة من يدى أوقفت مناقشاتهم قائلا :
- هذه صورة قفا أما عيون الحلاق .

فعادوا جميعا يحملقون فى اللوحة صامتين بينما قلت أنا :
- ألا ترون عيون اللحاق .. ؟

فأمعنوا التفرس فى اللوحة طويلا بحثا عن عيون الحلاق , و أخيرا أعلنت لهم أننى لم أرسم عيون الحلاق لأن المفروض أن تكون عيون الحلاق أمام القفا , أى أمام اللوحة . فلا يمكن رسمها فى الصورة طبعا , و إنما يجب إدراك ذلك بالتصور السيريالى الأعلى للاوعى الاستنباطى فهزوا رؤوسهم فى راحة , و أشار أخى الأوسط إلى الهواء – أمام اللوحة – قائلا : فعلا هذه هى عيون الأسطى .

و سألنى زوج أختى عن معنى الخطوط اللولبية الغليظة التى يتكون منها القفا فقلت له أن هذه الخطوط هى المصارين .

- المصارين .. ؟؟

هكذا تساءل فى دهشة فأفهمته أنه مادام الانسان هو مجرد قفا فى نظر الحلاق , فيجب أن تكون المصارين و القلب و المعدة و الطحال و الكبد و خلافه داخل القفا , و استوضحنى فعدت أقول أن الانسان فى نظر الحلاق يتركز فى القفا فقط و لهذا يجب أن تضم صورة القفا جميع أعضاء الانسان , فهذه الخطوط اللولبية هى المصارين , أما النقط الحمراء فهى رموز سيريالية للقلب و الكبد و خلافه و إن كان الجهلاء يفسرونها بأنها حبوب القفا إذا عرفوا أن هذا قفا . انبهرت فرقة الأشبال باللوحة انبهارا شديدا بعد هذا التفسير الاستنباطى ..

الثلاثاء :

حضرت ندوة الجمعية اليوم ..
كانت ندوة رائعة استهلها الموسيقار السيريالى الكبير حنفى مورستان بعزف مقطوعة عاطفية اسمها (مضمون حبيبى) عزفها موسيقارنا بمفرده على البيانو والكمنجة و العود و الطبلة فى وقت واحد . يده اليمنى كانت على أوتار العود الموضوع فوق البيانو , يده اليسرى على البيانو . بين أسنانه قوس الكمنجة , أحمد عباسية يمسك له بالكمنجة بينما رجل الموسيقار تدق الطبلة على الأرض .

كانت لحظات باهرة استمتعنا فيها بنغمات طليعية مذهلة نابعة من اللاوعى الخامد فى أعماقنا كحمار عظيم نائم من التعب .

و عندما انتهى منها استعدناه , و فى المرة الثانية عزف المقطوعة بنغمات أخرى مختلفة تماما عن المرة الأولى , مؤكدا بذلك مقدرته السيريالية الفائقة .

و بعد ذلك أعلن سكرتير الندوة – الفنان زكى هلاوس – أن كاتبنا السيريالى الكبير عبده المجنون سوف يتحفنا بآخر انتاج له و هو قصته الجديدة (هك يك) فشد انتباهنا ذلك العنوان السيريالى المشوق الذى يحرك كل عضلات اللاوعى المسطولة فى أعماقنا لكى تنشط و تستنبط المفاهيم الانضمانية العليا .

و بدأ الأستاذ عبده المجنون فى قراءة قصته الرائعة حتى فوجئنا بالمخرج فهمى بارانويا يلطم خديه إعجابا بالفقرة التى يقول فيها الأستاذ المجنون :
"و مشى فى الطريق يغنى فى سعادة عظيمة , فقد كان يعانى تعاسة فظيعة , كان الغناء يتصاعد من حواجبه السفلى فى نشوة متألمة حتى توقف و هو يمشى و مشى و أقدامه لا تتحرك و عند حافة الفنجال استطال الحبل حتى قصر قصرا شديدا و زاد طوله انكماشا فى تلك الآونة المزدانة بأوراق نضرة شديدة الجفاف , الحمراء و لكنها بيضاء , حلوة شديدة المرارة فى حلقوم حذائه الأسود , فصرخ حاجباه صرخة مدوية بينما افترت أذنه عن ابتسامة هادئة كشفت عن أسنانه الذهبية فى طبلة الأذن , و أخرج لسانه من أنفه ليمسح به شعره الأخضر و نظر بفمه إلى الطريق و قد ندت عن حاجبيه صيحة قوية .

- هك يك ..

فجاءته الأصداء مرددة :
- يك هك ..

و على الفور لاحت فى الأفق جموع هائلة من مشابك الغسيل تعدو نحوه .. فصرخ فى فزع ..
- أنا مكنسة .. أنا مكنسة ..

و انبطح على الأرض زاحفا ليكنس الطريق , فوجد الأسفلت رز بلبن و قد نبتت فيه زهور الباذنجان و الكفتة" .
و عندما هدأنا من روع المخرج فهمى بارانويا فوجئنا بالأستاذ عبده المجنون يأكل الورقة التى كان يقرأ منها و هو يصيح بشدة :
- أنا مكنسة .. أنا مكنسة ..

فاحتضناه جميعا مهنئين بتلك اللحظة الرائعة من لحظات اكتشاف اللاوعى عنده بأن حقيقته الانسانية هى مجرد مكنسة .. تلك اللحظات المضيئة التى كانت تعاوده من حين لآخر عندما كان نزيلا بمستشفى الخانكة ..

و تحدث بعد ذلك المخرج فهمى بارانويا مشيدا بتلك العبقرية الخلاقة و أعلن أنه سوف يخرج قصة (هك يك) للمسرح ليضيف إلى التراث المسرحى العالمى رصيدا جديدا سوف يخلد على الزمان و أعقب ذلك مناقشة فى دراسة لوحة الفنان زكى هلاوس , و هى لوحة سيريالية بعنوان (زمهرير الشتاء) , و إن كان لم يكتب اسم اللوحة فوقها , و تعاقبت التعليقات تمتدح اللوحة الرائعة , فقال المثال أحمد عباسية أن الألوان و الخطوط توحى بجو شديد الحرارة ثم فتح قميصه و راح يهوى على وجهه من الحر بسبب تأثير اللوحة , بينما قال عبده المجنون أن الألوان و الخطوط توحى بنسمة ربيعية نشوانة همدانة حيرانة , و علق الموسيقار حنفى مورستان قائلا أن اللوحة توحى بصوت صفارة قطار .

تدارسنا اللوحة دراسة استنباطية عميقة تشعبت فيها المناقشات و انتهت الندوة عند هذا الحد ..

الجمعة :

ذهبنا جميعا لزيارة زميلنا السابق فى الجمعية المهندس محمود محمود محمود بمستشفى العباسية , لقد دخل المستشفى كضحية من ضحايا التخلف الفنى و العقلى عند الناس إذ كلفه واحد جاهل ببناء عمارة فبنى له عمارة سيريالية رائعة ليس لها أبواب و لا نوافذ و لا غرف و لا سلالم و لا حاجة فأبلغ عنه الشرطة .

مسكين محمود محمود محمود ..

السبت :

أرسلت لوحتى الجديدة (فاتنة) لأشترك بها فى معرض الفن السيريالى , لقد بهرت اللوحة المخرج فهمى بارانويا انبهارا شديدا و قال لى أنها توحى – بمضمونها – بصورة أمنا الغولة .

كان فهمى بارانويا فى زيارتى ليكلف خادمى بطبخ عشرين كيلو أرز بلبن يفرش به أرض المسرح لمسرحية (هك يك) للكاتب الطليعى عبده المجنون ..

الأحد :

فازت لوحتى (فاتنة) بالجائزة الأولى فى المعرض ..

الاثنين :

سافرت إلى الاسكندرية لتسلم الجائزة , وجدت لوحتى معلقة بالمقلوب ...





صورة واحد إعلانجى



الأحد :

كلما ذهبت إلى السينما شعرت أننى أسعد انسان فى الدنيا ..

ففى كل مرة , أرى تأثير إعلاناتى العظيمة على المتفرجين .. كل المتفرجين يحفظون إعلاناتى صم , إذ ما كاد – مثلا – يظهر إعلانى عن حبر كومو على الشاشة , حتى راح الأولاد يرددون مع ممثلات الإعلان و مذيعيه :

- إيه ده اللى على فستانك .. ؟
- دى بقعة حبر كومو موش عايزة تطلع أبدا ..
- طبعا .. أصل كومو حبر هايل لا يمكن يطلع أبدا ..
- تحبى أحط لك بقعة على فستانك ؟
- ياريت .. ده حبر شكله لطيف خالص ..

هنا تحضر الممثلة زجاجة حبر كومو , و تظهر الزجاجة بين يديها فى لقطة مكبرة على الشاشة , ثم تقول :
- تعالى أما وريلك كومو بيعمل إيه ؟

تضع لها بقعة حبر على فستانها الأبيض فتقول :
- اللاه .. أنا ح بقع كل هدومى بحبر كومو ..

تخاطب المتفرجين و المتفرجات و هى ممسكة بزجاجة الحبر ..
- أظن انتى كمان لازم تبقعى كل هدومك بحبر كومو و تكتبى بيه كمان ..

و هنا ينطق صوت مذيع و مذيعة يتبادلان التعليق على الإعلان .
المذيع : بقعة حبر كومو لا يمكن تنظيفها أبدا ..
المذيعة : و الكلمة التى يكتبها كومو لا يمكن أن تزول من على الورق ..
المذيع : كومو ..
المذيعة : يكتب دون مجهود أو تعب ..
المذيع : املأ قلمك ثلاث مرات بحبر كومو ..
المذيعة : و فى الحال يجرى القلم من تلقاء نفسه على الورق .. حتى و لو كنت لا تعرف القراءة و الكتابة .
المذيع : فإن كومو وحده يقوم بكل العمل ..
المذيعة : كومو ..
المذيع : .. حبر متعلم ..
المذيعة : كومو ..
المذيع : حبر مثقف ..
المذيعة : كومو ..
المذيع : حبر مثلج صيفا .. ساخن شتاء ..
المذيعة : كومو ..
المذيع : يكتب أكثر سوادا ..

***

شعرت - كما أشعر كل مرة – بالسعادة الممتعة و أنا أسمع الأولاد يرددون كلام الإعلان أثناء عرض الإعلان . شعرت بسعادة أكبر و أنا أسمع أحد المتفرجين يصرخ بشدة ثم يصاب بالانهيار العصبى بسبب مطاردة هذا الإعلان له سنين طويلة بنفس الصور و نفس الكلمات . شعرت بمتعة عظيمة و أنا

Admin
Admin

عدد المساهمات : 308
تاريخ التسجيل : 30/01/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://sherifmohamedhassaan.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى